الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

249

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتآمر عند الانصراف خفية يلوذ بعضهم ببعض لأن الذي ستر الخارج حتى يخرج هو بمنزلة من لاذ به أيضا فجعل حصول فعله مع فعل اللائذ كأنه مفاعلة من اللوذ . وانتصب لِواذاً على الحال لأنه في تأويل اسم الفاعل . و مِنْكُمْ متعلق ب يَتَسَلَّلُونَ . وضمير مِنْكُمْ خطاب للمؤمنين ، أي قد علم اللّه الذين يخرجون من جماعتكم متسلّلين ملاوذين . وفرع على ما تضمنته جملة : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً تحذير من مخالفة ما نهى اللّه عنه بقوله : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ الآية بعد التنبيه على أنه تعالى مطلع على تسللهم . والمخالفة : المغايرة في الطريق التي يمشي فيها بأن يمشي الواحد في طريق غير الطريق الذي مشى فيه الآخر ، ففعلها متعدّ . وقد حذف مفعوله هنا لظهور أن المراد الذين يخالفون اللّه ، وتعدية فعل المخالفة بحرف ( عن ) لأنّه ضمّن معنى الصدود كما عدّي ب ( إلى ) في قوله تعالى : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ لما ضمن معنى الذهاب . يقال خالفه إلى الماء ، إذا ذهب إليه دونه ، ولو تركت تعديته بحرف جر لأفاد أصل المخالفة في الغرض المسوق له الكلام . وضمير عَنْ أَمْرِهِ عائد إلى اللّه تعالى . والأمر هو ما تضمنه قوله : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً فإن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده فكأنه قال : اجعلوا لدعاء الرسول الامتثال في العلانية والسر . وهذا كقول ابن أبي ربيعة . فقلن لها سرا فديناك لا يرح * صحيحا وإن لم تقتليه فألمم فجعل قولهن : « لا يرح صحيحا » وهو نهي في معنى : اقتليه ، فبنى عليه قوله : « وإن لم تقتليه فألمم » . والحذر : تجنب الشيء المخيف . والفتنة : اضطراب حال الناس ، وقد تقدمت عند قوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ في البقرة [ 191 ] . والعذاب الأليم هنا عذاب الدنيا ، وهو عذاب القتل . [ 64 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 64 ] أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 64 )